الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
136
مختصر الامثل
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ( 36 ) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ( 37 ) إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( 38 ) ربّنا أخرجنا نعمل صالحاً : القرآن الكريم يقرن ( الوعيد ) ( بالوعود ) ويذكر « الإنذارات » ، إلى جانب « البشارات » لتقوية عاملي الخوف والرجاء الباعثين للحركة التكاملية في الإنسان . فمتابعة للحديث الذي كان في الآيات السابقة عن المواهب الإلهية ، ينتقل الحديث هنا إلى العقوبات الأليمة للكفار ، والحديث هنا أيضاً عن العقوبات المادية والمعنوية . تبتدىء الآيات بالقول : « وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ » ، فكما أنّ الجنة دار المقامة والخلد للمؤمنين ، فإنّ النار أيضاً مقام أبدي للكافرين . ثم تضيف : « لَايُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا » . فالموت بالنسبة إلى هؤلاء ليس سوى منفذ للخلاص من العذاب ، لكن اللَّه تعالى أوصد دونهم ذلك المنفذ . يبقى منفذ آخر هو أن يبقوا على قيد الحياة ويخفّف عنهم العذاب شيئاً فشيئاً ، أو أن يزداد تحمّلهم للعذاب فينتج عن ذلك تخفيف العذاب عنهم ، ولكن تتمّة الآية أغلقت هذا المنفذ أيضاً : « وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مّنْ عَذَابِهَا » . ثم تضيف الآية وللتأكيد على قاطعية هذا الوعد الإلهي : « كَذلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ » . فجزاء الكفار ليس سوى الحريق والعذاب الأليم ، الحريق بالنار التي أشعلوها بأيديهم في الحياة الدنيا واحتطبوا لها من أفكارهم وأعمالهم ووجودهم . وتنتقل الآية التالية إلى وصف نوع آخر من العذاب الأليم ، وتشير إلى بعض النقاط الحسّاسة في هذا الخصوص ، فتقول الآية الكريمة : « وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ » « 1 » .
--> ( 1 ) « يصطرخون » : من مادة « صرخ » بمعنى الصياح الشديد الذي يطلقه الإنسان من القلب للإستغاثة وطلب النجدة ، للتخلّص من الألم أو العذاب أو أي مشكل آخر .